الشيخ محمد علي طه الدرة
694
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
مركبا ، فأخذ خشبة ، فنقرها ، فأدخل فيها ألف دينار ، وصحيفة منه إلى صاحبها ، ثمّ زجّج موضعها ، ثمّ أتى بها البحر ، فقال : اللّهم إنّك تعلم أنّي تسلفت فلانا ألف دينار ، فسألني كفيلا ، فقلت : كفى باللّه كفيلا ! فرضي بك ، وسألني شهيدا ، فقلت : كفى باللّه شهيدا ! فرضي بك ، وإنّي جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له ، فلم أقدر ، وإنّي أستودعكها ! فرمى بها في البحر ؛ حتّى ولجت فيه ، ثمّ انصرف ، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده ، فخرج الذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله ، فإذا الخشبة الّتي فيها المال ، فأخذها حطبا لأهله ، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة ، ثمّ قدم الذي كان أسلفه ، وأتى بالألف دينار ، فقال : واللّه ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك ، فما وجدت مركبا قبل الذي جئت فيه ، قال : هل كنت بعثت إليّ بشيء ؟ قال : أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه ! قال : فإنّ اللّه قد أدّى عنك الذي بعثته في الخشبة ، فانصرف بالألف الدينار راشدا » ، رواه البخاريّ معلقا مجزوما ، والنّسائي ، وغيره مسندا . وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ أي : إذا دعيتم إلى إقامتها ، وأدائها ، وذلك لأنّ الشاهد متى امتنع من إقامة الشّهادة ، وكتمها ؛ فقد أبطل بذلك حقّ صاحب الحقّ ، فلهذا نهى عن كتمان الشهادة ! وبالغ في الوعيد عليه ، فقال تعالى : وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أي : فاجر قلبه ، وإنما أضيف الإثم إلى القلب ؛ لأن الأفعال من الدّواعي ، والصّوارف إنما تحدث في القلب ، فلمّا كان الأمر كذلك ؛ أضيف الإثم إلى القلب ، قيل : ما أوعد اللّه على شيء كإيعاده على كتمان الشّهادة ، فإنّه تعالى ، قال : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وأراد به مسخ القلب ، نعوذ باللّه من ذلك ! انتهى . خازن . وقال النسفي - رحمه اللّه تعالى - : وإنّما أسند إلى القلب ، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ؛ لأنّ كتمان الشهادة إنّما يضمرها في القلب ، ولا يتكلّم بها ، فلمّا كان إثما مقترفا مكتسبا بالقلب ؛ أسند إليه ؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ، كما تقول : هذا مما أبصرته عيني ، وممّا سمعته أذني ، وممّا عرفه قلبي ، ولأن القلب رئيس الأعضاء ، والمضغة التي إن صلحت ؛ صلح الجسد كلّه ، وإن فسدت ؛ فسد الجسد كلّه ، فكأنه قيل : فقد تمكّن الإثم في أصل نفسه ، وملك أشرف مكان منه ، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح ، ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسّيئات ، الإيمان ، والكفر ، وهما من أفعال القلوب ؟ ! وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب ؛ فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب ، وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : أكبر الكبائر : الإشراك باللّه ، وشهادة الزّور ، وكتمان الشّهادة ، وهو مأخوذ من قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ما يلي : فعن أبي موسى الأشعري - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كتم شهادة إذا دعي إليها ، كان كمن شهد بالزّور » رواه البخاريّ .